بالأمس خرجت مع صحبة لي نترجل في شوارع دمشق _ التي أعشق فيها ليلها الهادئ المعطر ببعض نسمات الهواء الجميلة ، على عكس نهارها الصاخب المكتظ بالناس _ و كنا في وقت يقبل فيه الليل على أعماقه قبل أن ينتصف ببضع دقائق … و خلال طريق عودتنا من شارع بغداد _ أعادها الله إلى سابق عهدها _ امتدت عيناي على بعد مائة متر أو ما يقاربها ؛ و انتفض جسمي كما العصفور حين يبلله القطر ؛ حين أبصرت هذا المشهد المروّع …
طفلين ( بنت و ولد ) لم يجدا سوى هذه الأرض ليفترشا عليها ، و غير هذه السماء ليلتحفا بها في هذا الوقت المتأخر من الليل ، و قد كانا يضعان بعض العلكة و البسكويت أمامهما عسى و علّ أن يجدا من يشتري منهما ما بقي من بضاعتهما التي كادت أن تنفذ ، بالمقابل كان هناك رجل عجوز _ أكل عليه الدهر و شرب من هذه الحياة الكثير _ لا يبتعد عن مجلسهما سوى بضعة أمتار ، و لا يزيد عن بضاعتهما سوى مسجّلا صغيرا كان يستمع فيه لحديث بعض العلماء ، حتى لا يضيع ما تبقى من عمره سدا … أعدت النظر إلى الطفلين فوجدت الصغير يضحك فتاته أو أخته لست أدري نسبة القرابة بينهما ، كل ما هنالك أنه يضحكها كي ينسيها همّ البؤس الذي يشتركان به ، و مرارة الحياة التي لا تساغ و لا تشرب من هول ما فيها من مآس و ويلات …
يا ترى لو سألت الطفلين عن هذا الذي هم فيه هل سيجدان لي جوابا ؟ أم أنهما سيتلجلجا بالإجابة نظرا لما هم فيه من العمر ، أو حماقة مني لهذا السؤال … و لو سألت الرجل العجوز عن قصته مع هذه الحياة هل كان سيقول لي غير هذه الكلمات : ( يا بني الإنسانية المسكينة كالأرض : ثلاثة أرباعها ماء ملح لا يساغ و لا يشرب ، حياتنا فيها كذلك لا يوجد فيها سوى هذا الربع العذب ، الذي نقضي فيه بعض صلاتنا و عبادتنا نسأل الله أن يتقبلها منّا ) …. أخذ عقلي يسبح في هذه الأفلاك ، و يقفز من شاطئ المجهول إلى شاطئ المعلوم و يقول : يا من لا إله إلا أنت من لهؤلاء الناس غيرك يرزقهم في جنح الليل ، و يبعد عنهم كل بؤس و مكروه ….











.gif)

ليس لهم إلا الله و أهل الخير في دمشق
جزاك الله خيراً أخي مسبع الكارات