إن الميزة الكبرى لليوغا هي أن التحقيق لا يتم إلا في الجسم و عن طرق الجسم ، ففسيولوجيا الجسم الإنساني ليس سوى صورة مطابقة للكون ، و اعتبر الفلاسفة القدماء أن العناصر الخمسة الأساسية ( الماء ، النار ، الأرض ، الهواء ، السماء ” الأثير “ ) تتحرك باستمرار و بتناغم دائري داخل الجسم ، و لذلك أكد حكماء اليوغا بضرورة معرفة هذه العناصر داخل الجسم و العمل بها ، و طريقة تفكيرهم هذه تفترض أن كل ما يوجد في الخارج له ما يقابله في الداخل؛ أي أن كل عنصر من العالم الروحي يجب أن يكون له صداه في العالم المادي. و هذا يفسر إمكانية وجود تطور روحي يتم من خلال الجسم .
لذا إذا أردنا أن نمارس اليوغا بطريقتها الصحيحة ، لا بد أن نفهم ماهية أنفسنا و ما في داخلنا ، لا أن نمارس بعض الحركات الرياضية و نقول عنها بأنها يوغا ثم نستخدم هذا الأمر للمعالجة . يقول الدكتور نبيل محسن في حديثه عن مراكز الطاقة في الإنسان : إن ما يقال عن ممارسة اليوغا لأسباب علاجية، أو بغرض إعادة التوازن للجسم بعيد عن طرح اليوغا, لأن هذا الطرح يعني استمرار التعلق الذهني و العقلي. إن انعكاسات اليوغا الإيجابية على الصحة هي نتائج جانبية ؛ إذ تفرِّق نصوص الفيدا بشكل واضح بين ما يتعلق بالجسم العضوي من جهة وما يتعلق بالذات من جهة أخرى. إذا كان هذا و لا بد فديننا يدعو إلى معرفة النفس ، ألا يقول الله تعالى في كتابه العزيز ( و في أنفسكم أفلا تبصرون ) و يقول أيضا ( قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها ) أي النفس ، و هل تزكية النفس تقوم إلا على أساس الصيام و الصلاة و الطهارة و أنواع العبادات الأخرى . كما يشير حكماء اليوغا إلى أن الطقوس الدينية مثل الصيام و الإحسان و نكران الذات يؤدي إلى ظهور الطاقات في أعلى المراكز في الجسم .
ما أريد أن أصل إليه هو أننا لسنا بحاجة إلى هذه الطقوس التي تمارس في اليوغا ، فالله الحمد ديننا مليء بالأمور العبادية التي تقوينا بدنيا و روحيا ، و لكن يمكننا أن نأخذ من اليوغا الجانب العلمي ، كونهم اهتموا كثيرا بالحديث عن النفس أكثر من العلماء الآخرين _ فقد توقف حديث العلماء الآخرين أمام الذات الإنسانية، و تخبَّطوا في محاولة اختبارها و الكشف عن طبيعتها، و فشلوا في تعيين مركز للوعي في مكان محدد من الجسم بعد أن سعوا لذلك طويلاً. فلربما يمكننا القول بعد كل ذلك , أن إنسان اليوم لا يعرف نفسه جيداً، و هو قد نسي كيف يميز مختلف مكوِّنات وجوده و خصائص هذه المكوِّنات، لأن معرفته لم تتجاوز فهمه ورؤيته العقلية للأمور _ فقد كان اهتمامهم بدراسة القوى المختلفة التي تحرك الإنسان في محاولة لاكتساب ثقافة مفيدة ومعرفة موجَّهة يبلغ عندهم مبلغا عظيما ، لذا كان من واجبي أن أبين هذه الأمور و أكتب عنها ، لأن العلم ليس حكرا على أحد و ديننا يدعونا إلى اكتساب العلم من أي كان و لكن بطريقة عقلانية بعيدة كل البعد عن الشطط و التعصب .
السلسلة القادمة ستكون عن فكرة مراكز الطاقة في الإنسان .











.gif)