يشير الدكتور مصطفى السباعي إلى هذا قائلا :
و لا مجال الآن لتعديد أسباب الفشل ، ولكني أقتصر على أمرين رئيسين :
لم تنشأ الجامعة العربية بإرادة الرؤساء
أولا : إن الجامعة العربية حين قيامها لم تنشأ بإرادة من الرؤساء دفعتهم لتحقيق آمال شعوبهم في الوحدة و الإجتماع ، وإنما نشأت بإرادة أجنبية كان من مصلحتها أن تقوم هذه الجامعة في تلك الظروف ، و لم يكن عند العرب مانع من أن تلتقي المصلحة الأجنبية مع المصلحة العربية ، و لكن المؤسف أن المصلحة الأجنبية ظلت دائما و أبدا هي محور نشاط الجامعة من حيث يدري أكثر أعضائها أو لا يدرون . فبدا رجال الجامعة بوجه الممثلين لأدوار أعدت من قبل لتلعب لعبتها المكشوفة فيما بعد ، ورضي الممثلون لأنفسم أن يكونوا هدف تصفير الجماهير وسخريتها أيضا ! ..
ثانيا : إن الجامعة كانت توجهها عقليات متخلفة عن الزمن بهذه الميزات :
المطامع الشخصية
أ _ العمل في دائرة المطامع الشخصية ، وليست فلسطين إلا مثلا للمطامع التي أدت إلى تلك الكارثة ، لقد كان كل جيش حذرا من الآخر ، و كان كل ملك أو رئيس يخشى أن يستغل سواه هذه الحرب لو نجحت ، يقول الدكتور : ولا أنسى _ و من واجبي أن أذكر هذه الحقيقة ليذكرها أحفادنا من بعد _ إننا حين كنا في القدس و أحسسنا بخطر سقوطها في أيدي الأعداء ، و بدأنا نرسل صرخات الاستغاثة ، وكان مما قاله لنا بعض الرؤساء الكبار في الجامعة : لا تهتموا بسقوطها فسنستردها نحن و إخواننا ! .. و لما أوشكت القدس أن تسقط في أيدي الأعداء في إحدى المعارك الضارية ، و أخذنا نستنجد برؤساء الجامعة في الليل .. كان الجواب من أحد رؤسائها الكبار : إذا كنتم تشعرون بالخطر فانسحبوا منها ! قلنا : ولكنها القدس ! و فيها أربعون ألف لاجىء ،
و لو انسحبنا منها لتمت أفظع مجزرة في التاريخ ؟! فكان الجواب .. ولكنكم عندنا أغلى ! .. و أقسم لكم أننا لو أصغينا يومئذ إلى تلك النصائح الغالية ! لرأى العالم اليوم أعمدة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ! .
ازدراء قوى العرب
ب _ النظر إلى إمكانيات العرب و قواهم نظرة ضعف و ازدراء ، و إلى إمكانيات غيرهم نظرة قوة و إكبار ، و على هذا الأساس كانت توجيهات الدول الاستعمارية تلقى آذانا صاغية في دوائر الجامعة و يستجاب لها بدون إبطاء ، و كان العذر في أنفسهم دائما : إننا ضعفاء لا نستطيع أن نقف في وجوه أولئك الأقوياء .. ليس أمر الاستجابة إلى لب الهدنة الأولى إلا مثلا لاازدراء قادة العرب يقوى أمتهم و شعوبهم ، واعترافهم في قرارة أنفسهم بأنهم لا يستطيعون أن يبدوا حراكا تجاه رغبات الدول الكبرى .
تضليل الجماهير العربية
ج _ اعتبار الجماهير العربية كتلة من غثاء الشعوب تؤخذ بالعاطفة ، وتخدع بأكاذيب البيانات و بلاغة الخطب و التصريحات .. لقد كاننوا _ في معركة فلسطين _ يعطوننا النصر في بيان ، ويلحقون بنا الهزيمة في ميدان ! ..
و كان كل شيء يسير وفق ما تبيّت الدول الكبرى ، ورؤساؤنا يحققون لهم أهدافهم ثم يأبى فريق منهم إلا أن يصموا آذاننا بالعزم على مواصلة الكفاح في البر و البحر و الجو ، كما كان يقول تشرشل تماما في أيام الحرب ! و لكن غيرنا كان يقول هذا و الدموع تنحدر منعينيه ، أما بعضهم فقد كان يقول لنا هذا و أموال فلسطين تملأ يديه ، والضحك من جماهيرنا يكاد يمزق رئتيه !
عدم اعتبار مصالح العرب
د _ اعتبار الجامعة العربية رابطة بين دول لا أداة لتجمع أمة ! فكانت مصالح كل دولة هي التي تسيطر على عقول رجال الجامعة ، و ليس أدل على ذلك من أصدروا البيانات التي تؤمن بالتعاون والوحدة ما يملأ أفارا ضخمة ، و لكن الجامعة لم تخط حتى الآن خطوة واحدة إيجابية في سبيل التعاون الصحيح العملي المثمر ، ذلك لأن ما ينفع دولة من هذه الخطوات ، قد يضر بأخرى ، و لو كانت مصلحة الشعوب العربية هي التي ينظر إليها رجال الجامعة في كل مقرراتهم لما تضاربت المصالح ، و لكنها مصلحة دول أو كيانات مبعثرة يريدها الرؤساء حدودا فاصلة إلى الأبد بين أبناء أمة واحدة !
رجعية رؤساء الجامعة
هـ _ جمود رؤساء الجامعة في وجه التطور الذي شمل العالم العربي في أفكاره و وسائل معيشته ، فلقد أبى أكثر هؤلاء الرؤساء حتى اليوم أن يفهموا أن معركة الحياة التي يخوضها العرب اليوم ليست معركة سلاح أو سياسة بقدر ماهي معركة فكر و نظام وعلم .. لقد كانت قوانا و اليهود في معارك فلسطين غير متكافئة .. كانت المعركة بيننا و بينهم معركة بين فوضى و تنظيم ، وفقر وغنى ، و جهل و علم ، وعاطفة و عقيدة .. فهل تعجبون من ذلك إذا انتصر النظام على الفوضى ، و العلم على الجهل ، و العقيدة على العاطفة الجاهلة ؟!..
و لا يزال حتى الآن كثير من رؤساء الجامعة لا يريدون أن يفهموا أن ابن القرن العشرين لا يغلبه ابن القرن الخامس عشر بسلاحه و نظامه ، وبجهله و بطراز معيشته ! و أن جماهير و فدت إلى فلسطين من أنحاء الدنيا لعقيدة نُشّئت عليها منذ الصغر ، لا يمكن أن تغلبهاجماهير حشدت من مختلف دنيا العروبة لغاية لا تعلمها ، و لفكرة لم تغذّ بها و لا ربيت عليها ! .
هذا بعض ما قاله الشيخ رحمه الله في خطابه عن الجامعة العربية ، الشيخ أيها الإخوة لم يعش سوى 49 عاما ، و الله لقد كان رجلا بأمة ، يشهد بهذا القاصي و الداني ، و الصديق و العدو ، رحمك الله يا سيدي و أسكنك فسيح جناته..











.gif)